زكريا القزويني

383

عجائب المخلوقات وغرايب الموجودات

ومنها صنف يقال له : ذات النطاق وهي فأرة مشهورة منطّقة ببياض أعلاها أسود شبهوها بالمرأة ذات النطاق ، وهي التي تلبس قميصين ملونين وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل . ومنها صنف يسمى : فأرة البيش قال بعضهم : إنها دويبة تشبه الفأر وليست تسكن إلا منابت البيش تأكل منه وتتغذى به ، والبيش : سم قاتل منه شيء يسير وهو حشيش ينبت بأرض الهند . ومنها صنف يقال له : اليربوع وهو الفأر البري صاحب القاصعاء والنافقاء يحفر جحرا فيه عطفات كثيرة ، ويحفرها إلى أسفل مستقيمة ثم يذهب يمينا وشمالا وصعودا ونزولا ويخفي مكانه فيه بسبب اعوجاجه وعطفاته فإذا قصده شيء من أعدائه كابن عرس ، أو ضب ، أو ظربان لا يظفر به ؛ لأنه متى أحس بالشر من جهة ذهب إلى خلاف تلك الجهة ، ولجحره أبواب ، ولليرابيع رئيس إذا أرادت اليرابيع الخروج من أجحرتها خرج الرئيس أولا ونظر فإن لم ير عدوّا رفع صوته ؛ ليخرج الآخرون ، وإن رأى عدوّا رجع إلى جحره ومنعها من الخروج ، وإذا خرج يصعد موضعا عاليا كالديوان ، واليرابيع تسعى يمينا وشمالا تطلب القوت فما وقع بيده من الحب وغيره يأتي بنصيب منها للرئيس ، وإذا رأى الرئيس عدوّا رفع صوته حتى يرجع كل واحد بيته فإن غفل الرئيس عن العدو حتى أتاه العدو بغتة وأخذ من اليرابيع شيئا هربت البقية وعادت إلى أماكنها سالمة ، ثم اجتمعت على عزل رئيسها وإهلاكه ونصّبت رئيسا غيره . ومنها صنف يقال له : سمندل يشبه الفأر وليس بفأر يوجد ببلاد غور تدخل النار ولا تحترق ثم تخرج من النار وقد ذهب وسخها ، وصفا لونها وزاد بريقها ولا يتأذى شعرها ولا جلدها ولا لحمها من النار ، فسبحان من لا يعرف دقائق حكمته ولطائف صنعه إلا هو ، والملوك يتخذون من جلودها منديل الغمر ؛ لأنه في غاية النعومة يمسحون به أيديهم فإذا توسخ يلقونه في النار ؛ ليذهب وسخه ويخرج نظيفا . وذكروا أن من أخذ جرذا « 1 » وقطع ذنبه وأخصاه ، ثم أطلقه يأكل الجرذان والفيران أكلا ذريعا لا يغلبه شيء حتى الهرة وابن عرس ، وتحدث فيه شجاعة وجراءة وإقدام . وأصحاب الأنابير والبيادر عرفوا ذلك فيأخذونه ويقطعون ذنبه ، ويسيبونه فلا يترك جرذا ولا فأرا ، ومن شق فأرة وجعلها على موضع النصل أو الشوك يخرجه ، وتحرق الفأرة وتسحق وتخلط بالدهن ، ويطلى به الموضع الصلع ينبت الشعر .

--> ( 1 ) الجرذ : أي صغير الفأر .